14/04/2024

أحداثُ العُمُر في كتاب سنوات الحبر

محمد تحسين الحياني

30/09/2023
تكبير الخط
تصغير الخط

في حسابات المنطق إنّ كلَّ من أتقنَ علوم اللغة ولديه دراية في سياسة فن الكتابة يُسمى كاتبٌ

لكن ليس من المنطق أنْ نعدَّ كلَّ شي نقرأه في جرائد الأخبار أو حقل الكُتّاب بالإبداع!
ولأنَّ الإبداع ندرةٌ خاصةٌ من نوادر حقبة زمنية معينة
ولأنَّ نتاج الأقدار بالمبدعين شحيحٌ
ولأنَّ الاحتراف سرٌ كوني
يؤنس قلبك يُمتع عينيك يجعلك في حالةٍ شاذةٍ من اللهفة
وكأنَّك تطيرُ ولا تطير
وكأنَّك ماسكٌ  الدنيا بين راحة كفيك 
أنت في غنى عن مئات الكلمات وآلاف العبارات ومئات الحكايات 
أنت في حضرة هذا الإعجاز تستغني عن أُمهات الكُتب وآباءهم وأجدادهم
ما السرُّ في ذلك ؟!
ما سرُّ كلِّ هذا التشويق
والمؤانسة
ما هذا الكم الهائل من الإصرار على إعادة قراءة النص أكثر من عشرات المرات ولا يصيبك الملل ولا الضجر؟!
بل في كل مرة تقرأ الكلمات وكأنّك تقرأها لأول مرة
ورغم قرآءتك للمشهد مرات ومرات يتخيّلُ إليك أنَّك تسمع به لأول مرة
فما السر في ذلك ؟!
إنَّه الإبداع والإحتراف
إنُّه سنوات الحبر الذي وطّنَ كلَّ ما يُثيرُ رغبة المتعة في القراءة والتسلسل في عرض المشاهد وأرشفة الذكريات بطريقة احترافية يصعب توصيفها وتكرارها أو حتى تقليدها
وأنّك عندما تتصفح سنوات الحبر لكاتبنا الفذّ الأستاذ رباح ال جعفر الذي يكاد أن يكون فلتة من فلتات التفرد في بقاء الكلمة حية وخلود المشاهد في الذاكرة
تجد أنّ الكتاب قد حيكَ بطريقة ذكية خارقة وأسلوب بالغ البراعة في وصف كل حرف وكل كلمة وكل قصة كُتِبَ فيه
صدّقني حتى الأشخاص الذين تقرأ عنهم في سنوات الحبر يُخيل إليك أنك تعرفهم وتشاهدهم من بعيد وقريب
وبطريقة وأُخرى يجعلك ال جعفر أنْ تعيشَ مع المشهد والشخوص والأحداث وكأنّك تراه بأُمِّ عينيك
لا شيء تراه في سنوات الحبر إلا الحقيقة
لقد أرّخَ الأستاذ آل جعفر في كتابه "سنوات الحبر" البالغ الأهمية
أحداثاً ومشاهدَ ورواياتٍ لم تكنْ للنزهة الأدبية أو للذائقة الفنية فحسب بل إنّهُ يُجزأُ عمرَ الإنسان 
عن طريق التسلسل الرهيب في عرض النص إنّهُ يجرك إلى عالم الطفولة وذكرياتها بحلوها ومرها
ليجعلك تستذكرُ السنواتِ الضائعة والزمن الفائت
ولكي يُثير فيك رغبةَ البحثِ عن ذاتك في سنوات الحبر فبطريقة خفية وبسر من أسرار الكتابة يجعل من الكلمات تشاكس عواطفك المدفونة في طيّات القلب حتى تأتي اللحظة التي تبحثُ فيها عن طفولتك المنسية فلا تجد إلّا الدموع المنهمرة
ولا تستذكر إلّا الأحبة الخوالي
صدّقني إنَّك في سنوات الحبر لا تفتشُ إلّا عن خيط رفيع من الأمل ينجيك من وحشة الخلان الذين أفقدهم الزمنُ
وعن غوالي تتحسر بالعمر لو أعاد اللقاء بهم ولو لمشهدٍ واحدٍ ولو لسماع صوتهم مرة واحدة ولو لموقف واحد يجمعك بهم
إنَّ من البركات العظيمة والميزات المُدهشة التي قدَّمها لنا الأستاذُ رباح ال جعفر في هذا الكتاب الخالد " سنوات الحبر" 
إنَّ فيه من الحكايات والحقائق التاريخية ما يغني الحاجة إلى الرجوع إلى مئات الكتب أو حتى أنَّه يغنيك بالحاجة إلى عالم السوشل ميديا
فلم تنحصر وجهة الكتاب لفكرة معينة أو هدف محدد 
بل كان عبارة عن خلاصة خمسة عقود من الزمن عاشها الأستاذ آل جعفر بكل تفاصيلها ومجرياتها بكبيرتها وصغيرتها
ففي الكتاب تجد ما يقارب ١٢٢ مقالة
ففي مقالته: وتهون الأرض إلا موضعا يستطرد فيها ال جعفر بقوله: "هناك في  قلب كل عاشق جبل توباد لا أروع منه ولا أوقع مكان يشتاق إليه المصابون بالحنين ويحلفون بالقمر شاهدا على لوعتهم ورمزا لكل مكان ينبت العز بتذكره حزمة من الذكريات يعيشون أطلالها ويهربون إليه من عيون الناس ومن قسوة الزمن! "
انظر كيف يجعلك تقتاد من حيث لا تشعر إلى التحسر إلى الأمكنة التي كانت شاهدة على أيّامك البالية يوم لم يكنْ في قلبك حينها إلا بضعة من حب بريء وحنين صادق وشوق نقي
لجدران عتيقة آلت إلى النسيان لم تملك فيها إلا رائحة الحب 
ونسمة حنين إلى جلسة تجمعك بشخص ربما أنت مستعد أن تدفع عمرك كله لو كانت!!
وفي مقالته التي عنونها فضيلته:
كل معروض يهان قائلا فيها: "الدنيا مثل مراجيح العيد. مثل دواليب الهواء. صعود وهبوط. لف ودوران. حظوظ وحظوظ. يوم لك وألفٌ عليك. لا شيء يبقى على حاله. فكلُّ شيء بالمقلوب. ولكل شمس غروب. وليس أصعب على النفس من هوانها على الناس!! " 
هل عليك الاستعانة بلغوي يترجم لك ما قاله ال جعفر في هذه المقطوعة ؟! 
فكم  هانتْ نفوسنا ونحن الأعزة؟؛
كم ألزمتنا الحاجة ونحن أغنياء العفة؟؛
كم  قادنا العيش المُر إلى التوسل والاستجداء ونحن كرماء النفس ؟! 
فهل هناك أبلغ من تصوير آل جعفر لمشهد المرارة والحرمان في نص ربما لا يشعر به إلا من جربه
لقد كان سنوات الحبر الذي أرفده الينا الكاتب الكبير والناقد المقتدر استاذنا رباح ال جعفر
سلسلة متواصلة من حقب زمنية وأحداث مختلفة
من أزمات وجدالات وآراء ومشاهد وحكايات شعرية واجتماعية وثقافية وسياسية ودينية بين شعراء وكُتّابٍ وناقدين وعلماء اجتماع وباحثين وسياسيين ورجالات دين وأساتذة لغة وقانون وفنانين وصحافيين 
كان آل جعفر شاهداً بينهم وعليهم في أهم القضايا والأحداث التي لم نسمع أخبارها ولم نقرأ أحداثها إلا في كتاب العمر " سنوات الحبر" 
والذي كان إضافة أدبية غنية بالثراء الفني والأدبي ما لم تكن مئات الكتب قد أثرتنا به 
ففي سنوات الحبر أحداث العمر

المزيد من مقالات الكاتب

الأكثر قراءة